
اختلفت الآراء ( لدى غير المسلمين) حول ما إذا كان ترقيم القرءان هو توقيفي أو توفيقي ( يعني من عند الله أم من عند البشر) ، و الحقيقة إن البحث حول هذا الموضوع يستلزم بحثا أعمق في جذور الكتابات و النسخ القرآنية .ولان المخطوطات المُعتمد عليها والمتوفرة بشكل مباشر لمعرفة أدق عن القران , تعود للقرنين الأول و الثاني للهجرة (50-150 بعد وفاة النبي الكريم) ـ و هي بالتالي تعتبر الأقرب لعصر النبوة. و في عام 1965 ، و بسبب غزارة الأمطار ، انهار بعض أسقف المسجد الكبير في صنعاء باليمن، والذي يروى أنه بُني زمن النبي الكريم . وأثناء إعادة ترميم هذا لمسجد تم العثور على مخطوطات قرآنية تعود إلى القرن الأول الهجري (حوالي 50-90 سنة بعد وفاة الرسول ) ، و نعد تلك المخطوطات من ضمن أقدم المخطوطات الكاملة عن القرءان الكريم. و قد قامت بعض اللجان التابعة لليونسكو في اليمن بتصوير هذه المخطوطات رقميا و تجميعها ضمن مشروع عام لحفظ التراث الإنساني .
الأمر المتفق عليه من بين جميع المخطوطات أن (القرءان) كان هو الصحيفة الوحيدة الذي يحمل أرقاما بين ثناياه بحيث تفصل ما بين مجموع الجمل التي كانت تشكل آيات. إلا أن طريقة الترقيم كانت "بدائية" نوعا ما وذلك بسبب عدم توفر الأرقام في ذلك الوقت. ,و مع ذلك فإن المخطوطات تشير بوضوح الاهتمام البالغ بمحاولة إثبات أرقام الآيات بشكل كتابة العدد مجاورا لها..و إذا ما قارنا ذلك النمط مع الكتابة لمخطوطات آخري (كالشعر مثلا) نجد أن مخطوطات المصاحف الأولى تتميز باحتوائها على نظام ترقيم يحفظ مواقع الآيات فيها.. و هذا يوحي لنا بديهيا أن موضوع ترقيم الآيات لم يكن شيئا اختياريا .. بل كان أمرا ملزما و ذا أهمية قصوى حتى و إن بدا أنه الناسخين قد غفلوا عن أهمية الأرقام التي كانوا يكتبونها بالأحرف.
كما هو واضح من مخطوطات القرن الأول الهجري (بداية الهجرة – 99 سنة بعد الهجرة) ، كانت الآيات فيها تُرقم كل عشرة آيات بشكل حزم و مجموعات. حيث كان يوضع شكل هندسي يدل على انتهاء الآية ، و من ثم يوضع الرقم كتابة و بشكل مقابل على هامش الصفحة على رأس كل مضاعف للعشرة . فمثلا: إذا بلغ عدد الآيات عشرة ، يضع الناسخ علامة هندسية مميزة في نهاية الآية و يكتب على طرف الهامش مقابلا لها: عشرة. و إذا بلغت الآية رقمها 20 ، يضع علامة مميزة و يكتب مقابلها على طرف الهامش: عشرون ـ و هكذا دواليك :ثلاثون ـ أربعون -.... مائة ... مائتان و أربعون. ..الخ . ومن أطلع على هذه المخطوطات رأى أنه يُكتب أسم السورة , ويكتب عدد آياتها. أما الآيات نفسها فتوضع فاصلة عند نهايتها, والفاصلة بشكل نجمة, و لا يوجد أي رقم في داخل تلك النجمة. فمثلا سورة الكوثر تكتب بالشكل التالي: "سورة الكوثر مكية وآياتها ثلاث" بسم الله الرحمن الرحيم - أنا أعطيناك الكوثر * فصل لربك وأنحر * أن شانئك هو الأبتر* ومن الملاحظ أن بسم الله الرحمن الرحيم لا توضع بعدها نجمة, وفي نسخ قرآنية تعود إلى قرون مثل القرن الرابع عشر, وتتبع نفس الطريقة في الترقيم. كذلك كانت هناك رقع لبعض آيات القرآن يفترض أن يعود تاريخها إلى أوائل العصر العباسي, وكانت تتبع نفس الطريقة في الترقيم. مما يدل على أن ظاهرة كتابة الأرقام داخل الفواصل هي جديدة في تأريخ التدوين القرآني, حيث يبدوا بأنها بدأت مع بداية ظهور الطباعة في الزمن العثماني.
قيل أن الاختلاف في ترقيم آيات سورة الطور مثلا كان سببه اختلاف في ترقيم المصاحف القديمة لعدد الآيات، فهناك آيات عُدت في بعضها ولم تعد في البعض، ففي المصحف الكوفي والشامي عُدت كلمة والطور آية بذاتها وعدت كلمة دعا من قوله تعالى: يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا. رأس آية، ولم تعدا في مصاحف الحجازيين، وبناء عليه فلا غرابة أن تجدهما معدودتين في مصحف حفص الكوفي ولا تجدها في مصحفي ورش وقالون الراويين عن نافع المدني، وبذلك يحصل الاختلاف في ترقيم آيات السورة بين المصاحف المذكورة.
ما سبب الاختلاف في مسألة الترتيب القرآني ؟ هل هو توقيفي أم اجتهادي ؟
السبب في ذلك هو ما يجده الباحثون والدارسون من التعدد في عدد آيات القرآن تبعا لتعدد الروايات ، فهناك العدد المكي والمدني الأول والثاني والبصري والشامي والكوفي ، ومما لا شك فيه أن هذه المسميات لم يكن لها وجود في زمن الرسول ولا في زمن الصحابة ومن المؤكد أنها وجدت بعد جمع الخليفة عثمان للمصحف .ولا يمكننا أن نتصور أن التساؤل عن ترتيب القرآن : هل تمّ بالوحي أم باجتهاد من الصحابة كان مطروحا في زمن الصحابة ، فليس من المعقول أن يطرحوا مثل هذا السؤال على أنفسهم .
ولعل هذا التعدد في الأعداد هو السبب الوحيد المخفي أحيانا ، والظاهر أحيانا لدى البعض ممن يعارضون الإعجاز العددي ، والجزم بأن ترتيب القرآن توقيفي قد تم بالوحي أمر قد يثير الشكوك في صحة الأعداد الأخرى في حالة تبني عدد مخصوص من بينها . و لو عدنا إلى زمن جمع القرآن ، لن نختلف على الحقيقة التالية : الأرقام التي تحدد بها نهايات الآيات على النحو الموجود في المصاحف الآن لم تكن موجودة ، فلم يكن العرب حتى هذا الوقت قد عرفوا الأرقام ، ولذلك فالاعتماد كان بالدرجة الأولى على الحفظ والذاكرة .
وهذا يعني أننا لو جردنا الآن المصاحف من جميع الأرقام التي تحدد نهايات الآيات ، سينتج لدينا نسخة من المصحف مرتبة السور والآيات واحدة في جميع الروايات . أي أن جميع روايات المصحف متماثلة في ترتيب السور والآيات لا فرق بينها أبدا . وهذا دليل على أن الترتيب توقيفي .
فأين الاختلاف إذن ؟ الاختلاف الوحيد هو في ترقيم الآيات وليس في ترتيبها . هذا الترقيم هو الذي كان مجال الاجتهاد ، وليس بالضرورة أن يكون خطأ ، إنما هو وفق اعتبارات متعلقة برواية ما . وقد يكون من بين هذه الأعداد ما خُزّن فيه الدليل الرياضي على حفظ القرآن الكريم . فالمسألة كمسألة القراءات ، إن اعتماد قراءة ما ، لا يعتبر تشكيكا في قراءة أخرى ، ولا يتخذ سببا للتشكيك أيضا ، ولكن قد يكون الإعجاز في أحدها أظهر من غيره . والله أعلم
الخلاصة عندي : إن ترقيم آيات القرآن توقيفي قد تمَّ بوحيٍ وإلهامٍ وقدرةٍ من اللّه تعالى ، لأن اللّه عندما حفظ قرآنه حفظ كل حرفٍ فيه وكل كلمة وكل آية وبالترتيب الذي أراده هو وليس نحن ، فالكتاب كتابُه وهو يفعل ما يريد . وذلك من الإعجاز القرآني العظيم وقد اكتشف فريق من علماء المسلمين المصريين ما أسموه شفرة القرآن ووضعوا لذلك برمجة رقمية أدعوا أنهم لو غيروا أي حرف من أي نص قراني فان البرنامج يكشفه ويرفضه , و لو دخل التحريف أو التغيير إلى القرآن طوال 1400 سنة لما بقي النظام الرقمي للآيات كما نراه اليوم ولأنهار النظام البنائي المنظم للقرآن واختلت معانية وبلاغته وفقد إعجازه .
تسمية السور
لم يكن رسول الله قد أعتمد أسماء لسور القرآن قبل مماته , وما كانت التسميات الحالية إلا من قبل الصحابة من بعده ، ما عدا سورتي البقرة وآل عمران فقد سماهما محمد "ص" بنفسه. وهذا ما يفسر لنا وجود بعض السور التي تحمل الآن أكثر من اسم، فمثلاً سورة الفاتحة لها عدة أسماء منها الفاتحة والحمد والصلاة والسبع المثاني و كذا سورة فُصلت قد تسمى السجدة وسورة غافر تسمى المؤمن وسورة الإسراء تسمى بني إسرائيل وهكذا.
![]() |
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اكتب لنا ملاحظانك او تعليقك او تبهنا لاي خطأ مشكورا